بقلم: مقال تربوي تحليلي
الموضوع: إشكالية تقييم أداء المدرس في المنظومة التعليمية
مقدمة
في زحمة الإصلاحات التعليمية المتلاحقة، وفي خضم النقاشات الدائرة حول جودة التعليم ومخرجاته، يبقى المدرس الحلقةَ المحورية التي تتشابك عندها خيوط متعددة ومتضاربة في أغلب الأحيان. فمن جهة، يجد نفسه في مواجهة يومية مع متعلمين يحملون توقعات متباينة وضغوطاً نفسية واجتماعية متزايدة، ومن جهة أخرى، يخضع لمنظومة تقييم رسمية يحكمها المؤطرون بمعايير قد لا تعكس دائماً الواقع الفعلي للفصل الدراسي. بين هذين القطبين، تتشكّل مردودية المدرس وتُوزَن، وكثيراً ما تُختزل في أرقام وتقارير تفتقر إلى الإنصاف والشمولية.

أولاً: مفهوم المردودية في السياق التربوي
المردودية، بمفهومها الاقتصادي الأصلي، تعني النسبة بين المُدخَلات والمُخرَجات. غير أن نقل هذا المفهوم إلى الحقل التربوي يستوجب مراجعة جذرية، إذ إن المدرسة ليست مصنعاً، والمتعلم ليس مادةً خاماً قابلة للقياس والتوحيد. مردودية المدرس تشمل أبعاداً متعددة: البُعد المعرفي المرتبط بتحصيل المتعلمين، والبُعد التربوي المتعلق بتنشئتهم وتأهيلهم للحياة، والبُعد الوجداني الذي يخصّ العلاقة الإنسانية داخل الفصل. أي تقييم لا يأخذ هذه الأبعاد جميعها بالحسبان يظل ناقصاً ومجحفاً.
ثانياً: ضغط المتعلمين — رهانات صامتة تُثقل كاهل المدرس
في كل فصل دراسي يقف المدرس أمام تحدٍّ مضاعف: لا يتعلق الأمر فقط بنقل المعرفة، بل بمواجهة عوالم متعلمين مختلفة تماماً. فالمتعلم اليوم يحمل معه إلى الفصل أثقالاً من البيت ومن المحيط الاجتماعي، ومن الفضاء الرقمي الذي يستنزف انتباهه. وما يُسميه المدرسون “ضغط المتعلمين” هو في حقيقته تراكم للمشكلات السلوكية، وتراجع الدافعية للتعلم، وصعوبات التحصيل، وتفاوت المستويات داخل الفصل الواحد.
يواجه المدرس في أحيان كثيرة صفوفاً مكتظة تتجاوز الطاقة الاستيعابية المعقولة للتعليم الجيد، وأحياناً يجد نفسه مضطراً للتعامل مع حالات احتياجات خاصة دون تكوين كافٍ ودون دعم مؤسسي. ومع ذلك، يظل مُحاسَباً على النتائج كما لو كانت الظروف مثالية. هذا التناقض يولّد إرهاقاً مهنياً حقيقياً، يُعرف في علم النفس المهني بـ”الاحتراق الوظيفي”، وهو ظاهرة باتت موثقة على نطاق واسع في أوساط المدرسين حول العالم.
والأخطر من ذلك أن المدرس قد يميل، تحت وطأة هذا الضغط، إلى التكيف السلبي: تسهيل المحتوى، تخفيض سقف التوقعات، أو تجنّب الموضوعات التي تستثير ردود الفعل، مما يُهدّد في نهاية المطاف جودة التعلم ذاتها دون أن يظهر ذلك على مستوى التقارير الرسمية.
ثالثاً: تقييم المؤطرين — بين الشكل والجوهر
يدّعي تقييم المؤطرين أنه يُشخّص الأداء الفعلي للمدرس من خلال زيارات ميدانية وتقارير دورية. غير أن هذا المسار يكتنفه إشكاليات عميقة لا يمكن القفز عليها. فالزيارة الميدانية في أحسن أحوالها لا تتجاوز ساعة أو ساعتين في السنة، في حين أن التدريس الفعلي يمتد على مئات الساعات. ما يُلاحظه المؤطر هو لحظة استثنائية ومُعدَّة غالباً، لا الواقع اليومي للفصل.
فضلاً عن ذلك، تعتمد شبكات التقييم في كثير من الأحيان على معايير شكلية: تسلسل الخطوات البيداغوجية، انضباط الوثائق الإدارية، حضور التكنولوجيا في الدرس… بينما تغيب معايير أعمق وأكثر دلالة، كمدى إثارة الدرس لتفكير المتعلمين، أو مدى نجاح المدرس في بناء علاقة ثقة داخل الفصل. وهكذا يحدث أن مدرساً بارعاً حقيقياً يُقيَّم بأقل من زميله الذي يُتقن عرض الدرس أمام المفتش دون أن يُحدث أثراً حقيقياً في متعلميه.
كما أن الطابع الهرمي للعلاقة بين المدرس والمؤطر يُفضي في بعض الحالات إلى ما يشبه “الاستعراض البيداغوجي”؛ حيث يُصبح الهاجس الأول للمدرس إرضاءَ المؤطر لا إفادةَ المتعلم. وهذا انعكاس خطير على الفلسفة الجوهرية للتعليم.
رابعاً: نحو تقييم منصف وشامل
إن الحل لا يكمن في إلغاء التقييم، فالمنظومة التعليمية في أمسّ الحاجة إلى آليات مساءلة فاعلة. لكن المطلوب هو إعادة بناء مفهوم التقييم على أسس أكثر إنصافاً وشمولية. ومن أبرز ما يمكن اقتراحه في هذا الاتجاه:
أولاً، التقييم المتعدد المصادر: لا يجب أن يكون المؤطر الصوتَ الوحيد في تقييم المدرس. ينبغي إدراج رأي المتعلمين أنفسهم عبر استبيانات مضبوطة، وتقييم الأقران بين المدرسين، والتقييم الذاتي الذي يُنمّي الوعي المهني.
ثانياً، مراعاة السياق: لا يمكن تقييم مدرس يعمل في بيئة هشة بنفس المعايير المطبّقة على مدرس في بيئة مثالية. التقييم المنصف يأخذ بعين الاعتبار المحيط الاجتماعي والاقتصادي للمتعلمين، ومعدل الاكتظاظ، وتوفر الوسائل التعليمية.
ثالثاً، التقييم التكويني لا العقابي: ينبغي أن يُحوَّل التقييم من أداة رقابة إلى أداة تطوير مهني. الهدف الأسمى ليس اكتشاف الأخطاء بل مساعدة المدرس على تجاوزها وتحسين ممارساته.
خاتمة
تبقى مردودية المدرس رهينةً بسياق يجب أن يُفهم بشموليته لا بتجزئته. المدرس الذي يصارع يومياً ضغط المتعلمين، ويجد نفسه في الوقت ذاته تحت مجهر تقييم يختزل عمله في لحظات منتقاة، هو مدرس يعمل في ظروف لا تُشجّع على الإبداع ولا تُعزّز الشغف بالمهنة. المنظومة التعليمية التي تريد مدرسين متميزين يجب أن تبدأ أولاً بتمكينهم من العمل في بيئة تُنصفهم وتُقيّمهم بما يستحقون: لا بما يبدو في ساعة زيارة عابرة، بل بما يُغيّرونه فعلاً في حياة المتعلمين يوماً بعد يوم.


أضف تعليقاً