مقدمة: لماذا المقاربة بالكفايات؟

شهد التعليم المغربي في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في فلسفته التربوية، إذ انتقل من نموذج التدريس التقليدي القائم على نقل المعرفة إلى مقاربة متجددة تضع المتعلم في قلب العملية التعليمية. هذا التحول لم يكن اعتباطياً، بل جاء استجابةً لتحديات التنمية والانفتاح على العالم، وتجسيداً لرؤية تربوية شاملة تهدف إلى تكوين مواطن قادر على التفكير والتحليل والمبادرة.
المقاربة بالكفايات هي الإطار المرجعي الناظم لممارسات التدريس وأنشطة التعلم والتقويم في المنهاج الدراسي المغربي. وهي تتضمن مجموع التوجيهات الموطِّرة لأهداف التدريس والتعلم والتقويم، بما يجعل الفاعل التربوي واعياً بتدخلاته ودوره في بناء شخصية المتعلم وتنمية قدراته.
في هذا المقال، نستعرض المرجعيات البيداغوجية والنظرية لهذه المقاربة، مع أمثلة تطبيقية مستقاة من واقع الفصل الدراسي.
أولاً: مفهوم الكفاية وخصائصها
تعريف الكفاية
الكفاية هي القدرة على الفعل بنجاعة إزاء فئة من الوضعيات التي يتمكن المتعلم من التحكم فيها بعدما يتوفر، في الوقت نفسه، على المعارف الضرورية وعلى القدرة على تعبئتها بفعالية في الوقت المناسب، لتحديد مشكلات حقيقية وإيجاد حل لها.
وعلى خلاف المفهوم البسيط للقدرة، الكفاية قدرات من مستوى عالٍ تستدعي إدماج عدة موارد لمعالجة وضعيات معقدة. فهي ليست قدرة تستند إلى المعارف فحسب، لكنها لا تختزل فيها؛ فلمواجهتها يجب استخدام موارد متفصلة ومتكاملة ومتنوعة، تشكل المعارف جزءاً منها.
مثال تطبيقي: في مادة الرياضيات، لا يكفي أن يحفظ التلميذ قواعد الحساب؛ فالكفاية تعني أن يكون قادراً على حل مسائل مستقاة من الحياة اليومية تتطلب استخدام الأعداد من 0 إلى 999، مع توظيف القدرة على الكتابة والتسمية والتمثيل والمقارنة والترتيب في آنٍ واحد.
خصائص الكفاية
تتميز الكفاية بجملة من الخصائص المترابطة:
- الشمولية (Globalité): تنطلق الكفاية من وضعية شاملة ومعقدة، تُقارَب نظرة ومقاربةً شاملة.
- البناء (Construction): تنشيط المكتسبات السابقة بلورةً تعلمات جديدة، تنظيم المعلومات.
- التناوب (Alternance): التنقل بين الشمولي والنوعي، والمهمة المدمجة والنشاط التعلمي.
- التطبيق (Application): التعلم بواسطة الفعل.
- التكرار (Itaration): تعرض المتعلم عدداً من المرات لمهمة مندمجة من النوع نفسه.
- الإدماج (Intégration): ترتيب العناصر المدروسة بما ينمي الكفاية لدى المتعلم بطريقة مندمجة.
- الملاءمة (Pertinence): وضعيات دالة ومحفزة للمتعلم، ترتبط بحاجاته اليومية.
- الانسجام (Cohérence): انسجام العلاقة بين أنشطة التعلم وأنشطة التقويم.
- التحويل (Transfert): توظيف المعارف والقدرات المكتسبة في سياق مختلف.
ثانياً: المرجعيات النظرية للمقاربة بالكفايات
1. علم النفس الفارقي
تستند المقاربة بالكفايات إلى نتائج علم النفس الفارقي، التي مؤداها أن الأفراد لا يتشابهون أبداً، حتى ولو توفروا على الرصيد الوراثي نفسه. لكل متعلم خبرته وتجربته واستراتيجياته الخاصة في التعلم.
التطبيق البيداغوجي: هذا ما يبرر اعتماد البيداغوجيا الفارقية (Pédagogie Différenciée)، التي تعترف بالفوارق الموجودة بين المتعلمين وتسعى إلى التكيف معها، بدلاً من تجاهلها.
2. نظرية الذكاءات المتعددة
توصلت الأبحاث الحديثة إلى أن الأفراد يتوفرون على ذكاءات متعددة، من بينها: الذكاء اللغوي، الذكاء المنطقي-الرياضي، الذكاء الموسيقي، الذكاء الطبيعي، الذكاء الفضائي، الذكاء الحسحركي، الذكاء الاجتماعي والوجداني.
مثال تطبيقي: لتدريس درس حول النظام البيئي، يمكن للمعلم تنويع أنشطته لمراعاة ذكاءات متعددة: رسم خريطة ذهنية (ذكاء بصري)، تمثيل دور الحيوانات (ذكاء حسحركي)، كتابة قصيدة عن الطبيعة (ذكاء لغوي)، قياس درجة حرارة التربة (ذكاء منطقي).
3. النظرية البنائية
تقوم على مبدأ أن التعلم فعل نشيط، وأن بناء المعارف يتم استناداً إلى المعارف السابقة. فالمتعلم يبني معرفته، ويستنتج، ينظم، ويتخذ قرارات، ويدمج تعلماته الجديدة في بنيته المعرفية الداخلية.
مثال تطبيقي: في درس الكسور بالسنة الرابعة ابتدائي، ينطلق المعلم من معارف التلاميذ حول تقسيم الأشياء في الحياة اليومية (تقسيم التفاحة، قطع البيتزا)، ليبني عليها مفهوم الكسر العلمي.
4. النظرية السوسيوبنائية
تعتبر أن المعارف تُبنى اجتماعياً من لدن المتعلم، من خلال التفاوض وإعطاء المعنى والتفاعل. فالمتعلم لا يطور كفاياته إلا في إطار التفاعل مع الآخرين والبيئة المحيطة.
التطبيق: العمل في مجموعات صغيرة، تقنية جيكساو، النقاش العام، أسلوب جماعة البوز.
ثالثاً: مداخل المنهاج الدراسي المغربي
يرتكز المنهاج الدراسي المغربي على ثلاثة مداخل أساسية:
1. مدخل القيم
القيم هي مبادئ عامة وموجهات أساسية يقيس الفرد في ضوئها الأفكار والمبادئ والقواعد السائدة في المجتمع. وتتميز بطابعها الإيجابي لمجتمع معين، إذ ترتبط بواقع الحياة اليومية ارتباطاً وثيقاً.
مثال تطبيقي: وضعية تعليمية في اللغة العربية تدمج قيم التسامح ونبذ العنف:
- الوحدة: اللغة العربية
- موضوع الدرس: فعل الأمر – لا الناهية
- الوضعية: بعد نقاش بين زميلين في المدرسة، استعمل أحدهما العنف ضد الآخر. قدم بعض النصائح لحثهما على التسامح واحترام الآخر، مستعيناً بأفعال الأمر وأفعال المضارع المسبوقة بلا الناهية.
2. مدخل الاختيار
الاختيار هو التمييز والمفاضلة بين عنصرين أو أكثر، وبذلك يكون موضوع التربية على الاختيار هو تأهيل المتعلم لاكتساب القدرة على التمييز واتخاذ القرار المتسم بالوعي والتصرف السليم.
3. مدخل الكفاية
وهو المدخل المحوري الذي يجمع المداخل السابقة ويوظفها في خدمة بناء كفايات متكاملة لدى المتعلم.
رابعاً: أنواع الكفايات في المنهاج المغربي
الكفايات النوعية أو الخاصة (Compétences Spécifiques)
يقصد بها الكفايات النوعية المرتبطة بمادة دراسية معينة أو مجال مهني أو مهني معين، وهي أقل شمولية من الكفايات المستعرضة.
الكفايات الممتدة أو العرضانية (Compétences Transversales)
وهي كفايات تشمل خمسة محاوررأساسية :
- الكفايات الاستراتيجية: معرفة الذات، التموقع في المكان، التموقع بالنسبة للآخر
- الكفايات التواصلية: إتقان اللغة العربية، اللغات الأجنبية، التفتح على الأمازيغية والمجتمع
- الكفايات المنهجية: منهجية التفكير، منهجية العمل داخل الفصل وخارجه، منهجية تنظيم الذات
- الكفايات الثقافية: تنمية الرصيد الثقافي، توسيع دائرة المعرفة للعالم، ترسيخ الهوية
- الكفايات التكنولوجية: القدرة على الإبداع والإنتاج، التحليل والتقدير والقياس، تطوير المنتجات
خامساً: البيداغوجيات المرتبطة بالمقاربة بالكفايات
1. البيداغوجيا الفارقية
تأسست البيداغوجيا الفارقية على خلفية الفوارق الموضوعية الموجودة بين المتعلمين، وهي تتسم بـ:
- التفريدية: تعترف بالمتعلم كفرد له تمثلاته الخاصة
- التعدد والتنوع: تقترح مجموعة من المسارات التعليمية التي تراعي قدرات المتعلمين
- المرونة: تعمل في إطار زمني واحد مع استعمال طرق ووسائل مختلفة
أشكال تنظيم مجموعات العمل في البيداغوجيا الفارقية:
- مجموعات حسب المستوى (Les groupes de niveau): توزيع المتعلمين حسب إيقاع التعلم
- مجموعات حسب الحاجات (Les groupes de besoin): لمراجعة تعلمات سابقة في مادة معينة
- مجموعات حسب الاهتمامات (Les groupes d’intérêt): توزيع المتعلمين حول موضوع أو مشروع محدد
2. بيداغوجيا الإدماج
بيداغوجيا الإدماج استراتيجية تهدف إلى الدفع بالمتعلم إلى تجميع وتنظيم مكتسباته قصد توظيفها عند مواجهة وضعيات مركبة تُسمى وضعيات الإدماج. ويجدر بالذكر أن الإدماج لا يتحقق إلا إذا توفرت لدى المتعلم تعلمات مختلفة تهم الدرايات والاتقانات وحسن التواجد.
مثال لوضعية إدماج نهائية:
- الكفاية المستهدفة: العبادات
- الوضعية: توجه أحمد إلى المرحاض لقضاء حاجته، ولما خرج دخل في الصلاة مباشرة دون وضوء، ثم أدى صلاة الظهر بركعتين.
- المطلوب: ما رأيك فيما قام به أحمد؟ برر رأيك. تنتيج هذه الوضعية يدمج تعلمات المتعلم المرتبطة بالصلاة (فرائض الوضوء، نواقضه، شروط صحة الصلاة، كيفية الصلاة).
3. بيداغوجيا التعاقد
التعاقد هو تنظيم لوضعيات التعلم عن طريق اتفاق متفاوض بشأنه بين شركاء (المدرس والمتعلمون)، يتبادلون الاعتراف فيما بينهم قصد تحقيق هدف ما، سواء كان معرفياً أو منهجياً أو سلوكياً.
وتستند بيداغوجيا التعاقد إلى ثلاثة مبادئ أساسية:
- مبدأ حرية الاقتراح والرفض: تحليل الوضعية من طرف المدرس والمتعلم، وإشارة واضحة لحرية المتعلم في اتخاذ القرار
- مبدأ التفاوض: حول المدة الزمنية، الأدوات، نوع المساعدات
- مبدأ الانخراط المتبادل: يمنح التعاقد المتعلمَ فرصةً لتجريب استقلاليته
نموذج لتعاقد لمعالجة حالة: وثيقة رسمية تتضمن اسم المدرسة، التاريخ، الحالة التي يشخصها المتعلم، الأهداف التي يريد تحقيقها، الوسائل والمعينات، مدة العقد، وطريقة التقويم.
4. بيداغوجيا الخطأ
هي تصور ممنهج لعملية التعليم والتعلم، يقوم على اعتبار الخطأ استراتيجية للتعليم والتعلم؛ لأن الوضعيات الديدكتيكية تعد وتنظم في ضوء المسار الذي يقطعه المتعلم لاكتساب المعرفة أو بنائها من خلال بحثه، وما يمكن أن يتخلل هذا البحث من أخطاء.
أنواع الأخطاء:
- الأخطاء المنتظمة (Erreurs systématiques): تأخذ صفة التكرار، وتؤشر على صعوبة في التعلم مرتبطة بوجود عوائق
- الأخطاء العشوائية (Erreurs aléatoires): غير منتظمة، ترتكب بسبب سهو أو عدم انتباه
- الخطأ المنعزل (Erreur isolée): يرتكبه فرد واحد من المتعلمين بشكل انفرادي
- الخطأ المعبر أو الدال (Erreur significative): يمس فئة كبيرة من المتعلمين ويحيل مباشرة على العملية التعليمية
5. بيداغوجيا اللعب
اللعب نشاط يمارسه الطفل من البيئة أو الوسط دون ضغوط، وهو الذي يهمنا هنا من الناحية البيداغوجية. فاللعب البيداغوجي يستهدف التعلم بواسطة اللعب، وهو سيناريو بيداغوجي مبني على بحث ودراسة وتحليل العملية التعليمية.
أنواع اللعب البيداغوجي: لعب الأدوار، اللعب التعبيري، اللعب الفني والرياضي، اللعب الإدراكي/الذهني، اللعب الحسحركي، اللعب الإبداعي.
سادساً: مراحل بناء الدرس وفق المقاربة بالكفايات
يمر تنظيم الدرس الكفائي بخمس مراحل أساسية:
- مرحلة التذكير بالمكتسبات السابقة: أنشطة تعتمد على تذكر المتعلم بالمعارف السابقة ذات العلاقة بالدرس الجديد.
- أنشطة الاكتشاف والفهم: تقدم خلالها وضعية مشكلة مصحوبة بتعليمات ضرورية (الاجتهاد في تكييف الوضعية)، يلاحظ المتعلمون الوضعية ويعالجونها ويحاولون فهمها، ثم البحث عن المعطيات والمعالجة.
- أنشطة التدريب: تتنوع أشكال العمل فيها بين فردي وجماعي، وتشمل تمارين التعرف والفهم وأنشطة تطبيقية على شكل وضعيات بسيطة تتنوع تبعاً لمستوى المتعلمين.
- أنشطة الإدماج الجزئي: يشمل حل وضعية-مشكلة تتيح للمتعلم إدماج التعلمات الجزئية المرتبطة بالدرس.
- أنشطة التقويم والدعم: تشمل أنشطة لتقويم التعلمات الجزئية المرتبطة بالدرس وكذلك حل وضعية مشكلة لتقويم مدى قدرة المتعلم على الإدماج الجزئي للتعلمات.
سابعاً: التقويم في إطار المقاربة بالكفايات
التقويم في إطار المقاربة بالكفايات لا يكتفي بقياس المعارف المحفوظة، بل يمتد ليشمل قدرة المتعلم على توظيف مكتسباته في وضعيات جديدة.
وضعية التقويم تتضمن ثلاثة مكونات أساسية:
- السياق: الظروف المحيطة بالكفاية أو محيط الموقف المنتظر اتخاذه
- الدعامة: الشكل الذي يحمل المعلومات التي يجب توظيفها كلياً أو جزئياً قصد إنجاز المطلوب
- التعليمة: تشير إلى المهمة أو المهام المطلوب إنجازها، وتكون بأفعال مركبة تستهدف أنشطة معقدة
مثال لشبكة تقويم في الرياضيات:
| المعيار | الوصف |
|---|---|
| المعيار 1 | الفهم الصحيح لوضعية التقويم |
| المعيار 2 | الاستعمال الصحيح للموارد الرياضية |
| المعيار 3 | ملاءمة ومطابقة الإنجاز للمطلوب |
| المعيار 4 | تميز وتفرد الإنجاز |
خاتمة: نحو فاعل تربوي قادر على تحمل المسؤولية كاملة
إن المقاربة بالكفايات ليست مجرد أسلوب تدريسي، بل هي فلسفة تربوية متكاملة تهدف إلى بناء متعلم قادر على الانخراط الإيجابي في المجتم
ع، ومواجهة تحديات الحياة بكفاءة وثقة. وهي تتطلب من المدرس أن يتحول من ملقٍّ إلى مُنشط وموجه وقائد، يوظف مختلف البيداغوجيات ويسخر الموارد المتاحة لخدمة المتعلم.
إن الهدف البيداغوجي يلعب دوراً كبيراً في تحديد السلوك الإنساني وتطويره، وذلك بعقلنة العمل البيداغوجي من خلال تحديد المحتويات والطرائق والوسائل البيداغوجية وضبط النتائج وتقويمها.
والمسؤولية مشتركة: تقع على عاتق المدرس في تطبيق هذه المقاربة بإبداع وانفتاح، وعلى المؤسسة في توفير البيئة الملائمة، وعلى الأسرة في مساندة المتعلم ودعمه، وعلى المجتمع كله في تقدير قيمة العلم والمعرفة.
هذا المقال مستوحى من الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي في المملكة المغربية (بتصرف)


أضف تعليقاً